بين المرأة والعطر ،حكاية عشق وغرام ،عشق لا ينتهى ،وغرام لا يوهنة فراق أو سعي،والحكاية قديمة جداً،ولعلها من أعتق حكايات الحب في التاريخ ،بدأت في الحضارات الإنسانية الأولي،ولا تنتهي إلا بإنتهاء العالم،في أي حال ، يبقي العطور حكاية لا تنفصل عن لعبة الجمال والإثارة ‘فالرائحة،مثل اللمس والصوت والنظر،من أغني الرسائل بالأسرار وأشدها غموضا وتألقا، وأروعها زينة.

عرف العالم ،منذ بدايتة،الطيوب علي أنواعها ،أما كلمة عطر،فظهرت في وثائق تعود إلي النصف الأول من القرن السادس عشر،في عام 1528 ميلادياً،ويبدو أن اللفظة بيرفيوم مأخوذة من إشتقاق لفظه إيطالية مركبة من جزئيتين :بير وتعني كليا وفومار وتعني التبخر،والعطور في اللغة العربية إسم جامع للطيب،والعطار بائعه، والرجل العطر والمرأة العطرة يتعهدان نفسيهما بالطيب ويكثران منة.

مرت صناعه العطور في مراحل بطيئة،والمتعاطون في الشؤون العلاجية الطبية كانوا أول من أهتم بها،وإستفاد من المصادر المباشرة للمنتجات الطبيعية العطرة،وتطورت هذه الصناعه مع التجارب والخبرات، ففتحت الطريق إلي التقنيات المختبرية السائدة في العصر الحاضر.

index

في الأصل،وفي العصور القديمة،تشكلت العطور من الطيب علي أنواعة ،وبحسب الكاتب اللاتيني بلينوس كان الإسكندر الكبير ،أول من إكتشف مجموعة عطور في التاريخ،في قبر الملك الفارسي داريوس الثالث في العام 330 قبل الميلاد.

يعود إستعمال المواد العطرية الطبيعية إلي الأجيال الأولي للإنسانية،ويعتقد علماء الآثار أن الطيوب التي أستعملت لغايات متنوعه،وقد إكتشفت هذه الحضارات البخور الذي كان يحرق في دور الأغنياء،قبل ذلك كان الإنسان يغتسل بالماء القراح لأن الصابون لم يعرف إلا مع الرومان،إستعمل البخور في الأساس لإزالة روائح الجسم،لكن الناس أدركوا ،بعد إستعمالة، أنة لا يزيل هذه الروائح فحسب،بل يبعث ،الي ذلك ،الإرتياح في القلوب والطمأنينة في النفوس.

عرفت الصين والهند العطور في الألف الأول قبل الميلاد،وكان البوذيون،قديماً،يعمدون إلي غسل أماكن العبادة بالمياة العطرة،وقد سادت هذه العادة في مصر الفرعونية،وفي رحلة إلي الباكستان ،اكتشف الدكتور باولو روفيستي في متحف تاكسيلا ،آلة تقطير مصنوعه من الفخار ،إستعملها الهنود في وادي الهندوس قبل خمسة آلاف سنة.

عرفت الحضارات القديمة عادة وضع الطيوب في تابوت الميت،فتناقلتها الفينيقية، والفرعونية والبابلية بشكل خاص،وأخذت العطور،في مصر وآشور، معني ميتافيزيقيا وكونياً، فكان المصريون والأشوريون يدهنون جسم الميت قبل الدفن.

images

في مصر ،عرفت صناعة العطور تطوراً مهماً جداً في عهد البطالسة،تركزت المصانع خصوصا في الإسكندرية،وإستوردت المواد الأولية من المنطقة العربية،وبلاد فارس،والصين والهند،وكانت مصر القديمة المصدر الأول والأفوى للمنتجات العطرية.

وإستفادت المرأة المصرية من الزيوت العطرة للتدليك اليومي ،فوزعت العطور علي كامل جسمها،ووضعت العطور علي شعرها ووجهها،فإنتشرت هذه العادة في تصنيع مواد التجميل في اليونان،حيث تحولت عملية إستخراج العطور من الزيوت إلي الأزهار،وهو أول حدث تاريخي في تقنية العطور.

إعتني الإريق بالطيوب عنايتهم بالزينة والجمال،وكان حانوت العطار الإغريقي أشية بمقهي يلتقي فية الناس،في أوقات معينة،فيتحادثون زبتسامرون،وكان الإغريقي،حين يدعو أصدقاءة إلي وليمة،يمسك حمامة وينضحها بالعطر،فيعطر ريشها جيداً،ثم يطلقها فةق ضيوفه،فتطير مرفرفة ويتناثرالعطر قطرات ترطب الهواء،وتبعث الإرتياح في قلوب المدعزين ،وكانت تلك عادة تكريمية.

بلغ إستعمال العطور الذروة ،تعطر الرومان،وملأوا الحمامات العامة بالطيوب،وإستهلكت الحفلات والمهرجانات الرومانية الشهيرة كميات كبيرة منها ،وفي الجنازات،كام الرومان يسكبوا الطيوب علي الأرض ،ويروي أن الإمبراطور نيرونسكب مقادير هائلة من العطور،في دفن زوجتة،ففاحت رائحتها في الشوارع أياما عديدة.

index

في بداية القرن الأول ،نشر الكاتب اللاتيني بلينوس كتابة الشهير التاريخ الطبيعي في موسوعه عالمية من 37 جزءاً،وقد أخذ من الفيلسوف اليوناني تيوفراسطوس منهجية العطور،فشرحها،وأوضع وسائل تصنيعها،نتيجة إستخراجها من المواد الدهنية،ومن الواضح أن الرومان تعرفوا سريعا إلي هذه المنتجات في أثناء فتوحاتهم العسكرية،في قمة مجد الأمبراطورية،مع حكم الأباطرة الأول،توسعت المعارف حول العطور،وتناقلها الرومان،خصوصاً،في العلوم الطبية،ومع الوقت ،إنتشرت العطور،كمادة كمالية ،فقال بلينوس :لقد اعتبر الرومان استخدام العطور إحدي أفضل الملذات،ومنذ تسعه قرون تقريباً بدأت تتبلور تقنية العطور في التعامل مع الزهور.

إهتم العرب بالعطور أيضاً، فساهمةا فعليا في تطوير صتاعتها ،اخترعوا آلة تقطير شبيهة بالكركة،فسمحت هذه المكننة بتقطير عدد من الزهور،مما ادي إلي إكتشاف العطور السائلة،مما إعتبر أساساً لصناعة العطور العالمية الحالية،وتجدر الإشارة إلي أن الرازي يعتبر أبرز الكيميائيين العرب الذين ساهموا في تطوير صناعه العطور.

كان العطر قديماً من المواد الضرورية كالمأكل والمشرب،وقد ورد ذكر ما لا يقل عن ثلاثين عطراً في المخطوطات القديمة،كما حمل العطر معاني متنوعة ورموزاً متعددة طالت الحياة الاجتماعية، فقد دل علي الفرح وعبر عن الألفة،وكان التعطر يعني إظهار الشعور بالفرح والتوق ألي مزيد من الجمال،كما كان يرمز إلي المركز البارز والشخصية المميزة،لذلك كان الناس ،وما يزالون، يتطيبون في المناسبات الاجتماعية،ويعتبر إغفال التطيب نوعاً من عدم اللياقة في نظر قسم من الناس.

وقد أكثر العرب في جاهليتهم في إستعمال الطيوب،وتساعدنا قراءة شعر ذلك العصر ،وما وصلنا من أخبار،علي التعرف إلي أنواع الطيوب المسنعملة،واهمها المسك والعنبر والكافور والبخور.

عرف الإسلام العطور علي أنواعها ،قال رسول الله صلي الله علية وسلم، إن أطيب الطيب المسك، ونقل عائشة رضي الله عنها،أنها قالت كأني أنظر ألي الطيب في مفارق رسول الله،وعن سهل بن سعد،أنة قال “إن في الجنة لمرعي من مسك مثل مراعي دوابكم هذه” وعن أنس رضي الله عنة،إنة قال” دخل علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فنام عندنا فعرق،فجائت أمي بقارورة فجعلت تسكب العرق فيها فإستيقظ وقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ فقالت :هذا عرقك نجعلة في طيبنا وهو أطيب الطيب،ونقل عن عمر رضي اللة عنة ،أنه قال:لو كنت تاجراً ما إخترت علي العطر ،فإن فاتني ريحة ،لم يفتني ربحة،وناول المتوكل فتي فأرة المسك فقال : لئن كان هذا طيبنا وهو طيب….لقد طيبة من يديك الأنامل

وأهدي عبد الله بن جعفر ألي معاوية قارورة من العالية،فسألة كم أنفق عليها ،فذكر مالاً جزيلاً،وقال هذه غالية فسميت بذلك ، وشمها مالك بن سليمان بن خارجة من أخته هند بنت أسماء،فقالعلميني كيف تصنعين بطيبك،فقالت لا أفعل ،تريد أن نعلمة جواريك وهو لك مني كلما اردت،ثم اضافت انها ما تعلمتة الا شعرة حين قال :أطيب الطيب عرف أم أبان….فأر مسك بعنبر مسحوق

وقال أبو قلابة:كان ابن مسعود رضي الله عنة،إذا خرج من بيتة إلي المسجد عرف جيران الطريق أنة مر من طيب ريحة،ونقل عن الحسن بن زيد الهاشمي أنة قال :رأيت إبن عباس رضي الله عنة،والغالية علي صدغيهة كأنها لزقة.